غياب السينما المحلية الجادة وادي الذئاب فلم تركي عن الشأن العراقي
بغداد - كريم الوائلي توظف السينما بشكل مكثف للاغراض السياسية علي حساب الاخلاقيات التي يجسدها الفن الرفيع، وقد شاهدنا الكثير من الافلام التي تظهر حضارة الشعوب وقوة ارادتها ولكن دون المساس بأمةٍ أخري، وكثير ما استخدم الاسلام كذريعة للاعتداء بكل الوسائل بما في في ذلك الاعتداء المسلح علي المسلمين انفسهم ولا يخرج عن هذا الوصف الفيلم التركي المعنون بـ(العراق.. وادي الذئاب) ، ولأن كاتب السيناريو (بهادر اوزدنر) وصف الفيلم بأنه (شكل من اشكال النشاط السياسي) فأن عرضنا للفيلم سيتركز علي أطروحة الفيلم وحيثيات انتاجه اكثر من التركيز علي الجوانب التقنية والفنية، وقبل الخوض في الاطروحة التي حاول الفيلم تسويقها نري من المفيد ان نشير الي ان الفيلم اعتمد في بعض مشاهده الرئيسة علي الافلام التي رَوّجَ لها الاعلام خلال القنوات الفضائيةوشبكة الانترنت بعد ادخال مونتاج عليها وجعلها ملائمة لاطروحة الفيلم وهي علي العموم ليست بريئة من تأثير المواقف السياسية الموالية لهذا الجانب او ذاك، ويشكل العراق الجانب المهمش في الاطروحة، وقد تغاضت الحكومة التركية عن مضمون الفيلم بالرغم من لهجة وزير الخارجية الداعية (للتهدئة) من اجل اظهار الصورة التي يحبذها النادي الاوربي. ان فيلم (العراق وداي الذئاب) قد تلقي تمويلا غير معتاد في السينما التركية، اذ بلغت كلفة انتاجه اكثر من (10) ملايين دولار امريكي، وهذا المبلغ يضع الفيلم في مرتبة اكثر الافلام التركية تمويلا، وقليل ما تصل هذه الكلفة في انتاج الافلام المماثلة في هوليود، وقد صاحب انتاج الفيلم دعاية اعلامية مبالغ فيها اثمرت ما كان مرجواً منها حيث شهد العرض زخما بشريا مكثفاً مازال مستمراً، وتفيد التقارير الصحفية ان اكبر تجمعات دور العرض السينمائية في اسطنبول وغيرها من المدن الكبري تعرضه في وقت واحد ولمرات عدة في اليوم وقد اضطر الجمهور الي اقتناء التذاكر من السوق السوداء. يبدا الفيلم بأحد المشاهد الحقيقية حيث يتم القبض علي عناصر استخبارية تركية من قبل مفرزة امريكية في السليمانية قبيل دخول القوات الامريكية الي العراق ويساق الجنود الاتراك تحت السلاح الي مقر الاستخبارات الامريكية، وهذا حادث يتذكره المتابع للاحداث التي حصلت في شمال العراق قبل الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003 وفي حينها قدم الجانب الامريكي اعتذارا الي الحكومة التركية، وكان منتجو الفيلم قد اتخذوا من هذا الحادث ذريعة لتسويق ثقافة تسيء للعراق قبل الاساءة للامريكيين، وإلاً ، كيف يمكن تفسير حادث يقع لقوات تركية موجودة دون مسوغ قانوني في ارض عراقية فتلاقي عقاباً من قوات امريكية محتلة ..؟، وفي وقت تكون هذه القوات (الامريكية) موجودة في الارض التركية وفق اتفاقيات مبرمة بين البلدين، وقد طرح الفيلم اطروحته من خلال ذلك الحدث علي انه لطمة لكرامة تركيا. لقد سعي منتجو الفيلم الي تهميش الشعب العراقي واظهاره علي انه متخاذل ولا تأثير له علي مجريات الاحداث في بلده وانه قابع في المكان الذي ينتظر فيه عدوانية القوات الامريكية كي تمعن في أبادته وهذا مخالف للحقائق وغير منصف ابداًخاصةً عندما يثير الفيلم حالة التشفي بالامريكيين جراء اخطائهم في العراق فتتأجج المشاعر القومية لدي المشاهد التركي ويثأر لكرامته علي حساب الكرامة العراقية وهذا يدعو للقول ان الفيلم في جوهره معاد للعراق من الباطن، ولا يختلف هذا الفيلم عن الفيلم الامريكي (عراق للبيع) الذي سنأتي الي عرضه في وقت لاحق. ان فيلم (العراق.... وادي الذئاب) يمثل نشاطاً سياسياً واعلامياً وتعبوياً اكثر من كونه فيلماً سينمائياً محضاً ، وكان في الاصل مسلسل تلفزيوني انتجته الشركة نفسها المنتجة بعد ان تم استبدال العدو بآخر حيث اسماه المسلسل بالمافيا التركية وكذلك استبدل المكان فبعد ان كان المسلسل يشير الي مناطق تركية فأنه في الفيلم يوحي للمشاهد ان الاحداث تجري في العراق. وقد شارك في التمثيل العديد من الممثلين الاتراك الذين مثلوا في المسلسل بالاضافة الي الممثل السوري (غسان مسعود) الذي سبق ان تقمص شخصية صلاح الدين الايوبي في فيلم (مملكة الجنة) للمخرج المعروف (ريدلي سكوت). ويأتي فيلم (العراق - وادي الذئاب) وغيره من الافلام التي تتعرض للشأن العراقي في غياب شبه تام للسينما العراقية الجادة التي تعاني الاهمال من جانب الحكومة متمثلة بوزارة الثقافة، ويبدو ان المسؤولين ينظرون الي السينما كما لو انها حاجة استهلاكية لا ضرورة لها، وهذا جهل مطبق بأهمية السينما ودورها الثقافي والتربوي وبشكل خاص في العراق حيث يعد المشاهد العراقي من المحبين والمنجذبين للفنون السينمائية ويتذكر العراقيون افلاماً بعينها عرضت في سبعينات القرن الماضي وقد استمر عرضها في دور العرض العراقية قرابة السنة وبشكل مستمر واتذكر منها فيلم (Z) وهو فيلم سياسي. نتوقع للسينما العراقية دوراً مهماً في المستقبل وخاصة اذا نظر اليها من الزاوية ذاتها التي ينظر منها الي القضايا المصيرية للعراق كونها تشكل حاجة لا غني عنها اطلاقاً وتكون مصاحبة للنهضة الشاملة لكل بلد بصفتها إحدي ركائز البنية الفوقية للبلد الذي يُراد له ان ينهض، وتقع مسؤولية لفت نظر الحكومة الي هذه القضية علي عاتق وزارة الثقافة وكذلك لجنة (الثقافة والاعلام والآثار) في مجلس النواب.
Azzaman International Newspaper - Issue 2597 - Date 18/1/2007
جريدة (الزمان) الدولية - العدد 7925 - التاريخ 81/1/2007